حسن الأمين

292

مستدركات أعيان الشيعة

لا يبعد كثيرا عن قرية النافذ الذي كان ككل النافذين في ذلك الوقت يستند نفوذه على صداقته للسلطة ومماشاته لها ، وكان يعتبر أكبر النافذين وأقربهم إلى السلطة وأوسعهم اتصالا بالناس ، وكان على عداوة شخصية متأصلة لرياض الصلح ترجع إلى أيام الحرب العالمية الأولى ، فرأى في فعلتنا تحديا عارما له ، أولا لشدة عداوته لرياض ، ثم لما في فعلتنا من استهتار بالسلطة ومجاهرة في عدائها ، وهو ما كان هو ضامنا عكسه ، فكنا فيما فعلنا دالين على تقلص تأثيره في الناس ، وأن تقريب السلطة له ولأمثاله ليس معناه السيطرة على الشعب والتكفل بعدم رفع صوته في وجه السلطة . فقام النافذ ولم يقعد وهاج وماج وتهدد وتوعد ، وأرسل إلي أنه يعتبرني مسؤولا عما حصل ، وأن أقل ما سينالني هو الاقتلاع من الوظيفة ، وأن تحقيقا سيجري مع المشاركين ، وأن الاعتقال والسجن سيكون جزاءهم الأكيد . ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا فقد جاءه من ينصحه بان النباطية تعتبر من معاقله ، وأن جمهورها من أنصاره وفيهم من هم من خلص أصدقائه وأعوانه ، وأنه ليس بين هؤلاء أحد إلا وله ابن أو أخ قد اشترك في مظاهرة التحدي هذه ، وأنه إنما سيؤذي جماعته إن حرض السلطة على أولادهم وإخوتهم ، وبذلك سينقلبون عليه ويؤذي نفسه . أما فيما يتعلق بي فقد أخبروه بان إقالتي ستثير عليه من تضره إثارتهم - ولم يكن يعلم أني أنا نفسي ساقيل نفسي بعد أسابيع - ، لذلك اضطر إلى السكوت على مضض وكظم غيظه ونقمته ، وكل ما فعله أنه أنب المنتمين إليه على ما فعله أبناؤهم وإخوتهم تأنيبا عنيفا . بصيص من النور أخذت شهور الصيف تمضي وأيامه تتقلص ، وبدأ العام الدراسي يدنو وأنا لم أهتد بعد إلى الطريق الذي يمكن معه الحصول على شهادة الدراسة الثانوية ( البكالوريا ) ، وكان شبح اللغة الفرنسية والجبر يتراءى لي رهيبا حائلا بيني وبين سلوك أي طريق ، فقررت الذهاب إلى دمشق ، لتلمس ما يمكن أن يزحزح الياس الذي يكاد يسيطر علي ، فإذا بي أكتشف بصيصا من النور ما لبث أن أصبح شعاعا مضيئا ينير بعض جوانب الطريق . ذلك أني عرفت أن الجامعة السورية لا تشترط في غير السوريين الذين يريدون الانتماء إليها أن يكونوا حائزين على شهادة القسم الثاني من ( البكالوريا ) الحكومية ، بل يكفي أن يكون طالب الدخول حاملا شهادة إنهاء الدراسة الثانوية من أية مدرسة ثانوية ، وأنه في حال حصوله على هذه الشهادة يمكنه الاشتراك في امتحان عام تجريه الجامعة لحاملي هذه الشهادة ، وهو امتحان لا يختلف في مواده عن مواد القسم الثاني من ( البكالوريا ) الحكومية إلا في اللغة الفرنسية حيث تخلو مواد هذا الامتحان من مادة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفرنسية ، ومن الفرنسية إلى العربية . وأن مدرسة أهلية في دمشق قد خصصت صفا من صفوفها الثانوية أسمته ( صف الجامعة ) يقصده غير حاملي الجنسية السورية ، وحاملو الجنسية السورية من الحائزين على شهادة القسم الأول من ( البكالوريا ) الحكومية ، إذ أن الجامعة تعاملهم معاملة غير الحاملين للجنسية السورية فتقبل اشتراكهم في امتحانها دون حصولهم على القسم الثاني من ( البكالوريا ) الحكومية . وهكذا كثر المنتمون إلى ( صف الجامعة ) ، وكان معتبرا أبناء المنطقة التي أسموها منطقة ( العلويين ) من غير حاملي الجنسية السورية ، إذ كانت لهم حكومة مستقلة عن الحكومة السوري حكمها حكم ( لبنان ) . ومن هنا احتشد عدد غفير من التلاميذ في هذا الصف كان فيهم عراقيون أيضا . ومن حسنات هذا ( الصف ) أنه يقبل كل طالب انتماء اليه ، دون أن يثبت أنه قد تدرج في دراسته الثانوية من صف إلى صف حتى وصل إلى الصف النهائي ، فكل طالب انتماء يقبل ، وهو في النهاية مسؤول عن نفسه في الامتحان الذي تقيمه هذه المدرسة في نهاية العام الدراسي ، والذي تمنح الناجحين فيه شهادة إنهاء الدراسة الثانوية . وقد أغرى هذا التصرف غير الأكفاء ، ولكن هؤلاء بدؤوا يتسللون منذ الأسابيع الأولى الواحد بعد الآخر ، متخلين عن الدراسة ، مقتنعين أن الأمر ليس بالسهولة التي تخيلوها . وقد كان عمل المدرسة عملا تجاريا بحتا تقصد به اجتناء الربح فقط حيث كان يحتشد في قسمها الداخلي العدد الكثير من التلاميذ الذين يعودون عليها بأموال أي أموال . ولكن هذا القصد التجاري قد أفاد الكثيرين من الأكفاء الذين لم تقدر لهم الدراسة الثانوية المنتظمة ، فأمكنهم اختصارها بالانتماء إلى هذا الصف الذي كانت مواده في الحقيقة تشمل مواد الدراسة الثانوية في جميع مراحلها . لقد كان هذا الحل بصيصا من النور - كما قلت - فإذا أمكن الانتماء إلى ( صف الجامعة ) ومتابعة الدراسة فيه ، فكيف تحل عقدة اللغة الفرنسية وعقدة ( الجبر ) ؟ صحيح أن المطلوب فيه من اللغة الفرنسية هو أخف بكثير من المطلوب في امتحان ( البكالوريا ) الحكومية ، ولكن الصحيح أيضا أن هذا الأخف هو الأثقل على من لا يعرف من اللغة الفرنسية إلا القليل القليل ، بل أقل من القليل . ويكفي أن يكون فيه أداء امتحان في الأدب الفرنسي وتاريخه . ولكنني اتكلت على الله وانتميت إلى ( صف الجامعة ) تاركا للأقدار أن تجد الحلول للعقدتين اللتين تبدوان وكان لا حل لهما . دراسة ثانوية ( 1 ) وكان من المصادفات الحسنة أن فوجئنا بان أستاذ اللغة العربية وآدابها هو الشاعر خليل مردم ، وكنت أعرف عن شعره الشيء الكثير ، ولما التقيته في الصف وتابعت دروسه الأولى بدا لي رجلا على شيء كثير من طيب الذات وعذوبة الحديث وصفاء النفس فضلا عن الكفاءة ، مما يجعله من أقرب الناس إلى القلب وأحبهم إلى طالب العلم ، ولقد أفادنا في الدروس القليلة التي حضرناها عليه ، ما لو استمر لكانت فائدته كبيرة . ولكنه تخلى عن تدريسنا بعد أقل من شهر من ابتدائه به ، وذلك أن عددنا كان كبيرا جدا ، مضافا إلينا طلاب القسم الثاني من البكالوريا ، الذين كانوا يتابعون نفس الدرس ، وكان يفرض علينا كتابة مواضيع لا بد له من قراءتها وتصحيحها ، وكان ذلك فوق طاقته ، وفوق طاقة أي أستاذ لكثرة عدد التلاميذ ، لذلك اعتذر عن تدريس هذه المجموعة الكثيرة الأفراد ، غير المتجانسة والمختلفة الكفاءات . واقتصر على تدريس تلاميذ

--> ( 1 ) أثناء الدراسة الثانوية سنة 1930 1930 1349 محرم